الذكاء الصناعي
أعتقد أن مصطلح الذكاء الصناعي هو مصطلح غير دقيق. عالم النفس السويسري جان بياجيه عرّف الذكاء بأنه "الشيء الذي يستخدمه الإنسان حين لا يعرف كيف يجب عليه أن يتصرف". وهكذا لا تستطيع الماكينات ولا الكمبيوترات أن تكون ذكية، لأنها تعرف مسبقًا كل المعطيات وتعرف كيف تتصرف وتعرف النتيجة أيضا. هي آلات لإعادة تدوير بيانات وأفكار وعبارات موجودة بالفعل. ولكن الإبداع هو أن أبدأ في رسم لوحة أو كتابة قصيدة أو رواية وأنا لا أعرف كيف ستكون النتيجة النهائية، وفي هذه الرحلة لا يقودني المنطق وفيزياء العبارات فقط، ولكن أيضًا الحدس والإحساس والتجارب السابقة واللاوعي. بالطبع يستطيع ما يسمى بالذكاء الصناعي كتابة رواية، ولكنها ستكون رواية قص ولصق كروايات كثيرة كتبها بشر بالفعل يحاولون طول الوقت دمج أسلوب كونديرا مع ماركيز وموراكامي في عمل واحد، ولكنهم فشلوا، لأن الإبداع الحقيقي ينبع من تجربة ذاتية فريدة مع الحياة ونظرة فلسفية أكثر فردية تجاه هذا العالم الذي نعيش فيه. الإبداع يمر بتجارب ومشاعر كثيرة لا يستطيع الذكاء الصناعي أن يمر بها كالإلهام، التعاطف، الخوف، الشك، اليأس، إعادة المحاولة والأمل. الشك في الذات تجربة فريدة لا يعرفها إلا الإنسان، ولكي تشك في نفسك لابد أن يكون لك "نفس" في المقام الأول.
كثير من الرسامين استطاعوا حتى قبل الذكاء الصناعي تقليد لوحة لبيكاسو أو دمج أسلوب بيكاسو مع ماتيس أو ميرو، ولكن لا أحد يعرف هؤلاء المقلدين اليوم، لأننا نبحث دائمًا عن الأصل.. نبحث عن العمل الذي خرج من معاناة الفنان وخياله الملتصق بلاوعيه، ونتخيل أثناء مشاهدة لوحة أو قراءة رواية شكل المبدع وإحساسه ونتعاطف معه أو نختلف مع رؤيته للعالم، وهذه العلاقة السرية بين المبدع والمتلقي هي جوهر عملية الإبداع.
إذًا، الذكاء الصناعي يفتقد للذكاء.. يفتقد لتجربة ماركيز الذاتية ولفلسفة كونديرا ولمعاناة محمد شكري ولخفة ظل حمدي أبوجليل ويفتقد للشك في نفسه وللخوف من الإخفاق، وبالتالي لا نستطيع أن نتوقع منه إبداعًا حقيقيا. سيظل الذكاء الصناعي مثل ماكينة اللحمة المفرومة، لابد أن تغذيه بقطعة لحم من جهة كي يُخرج لك لحما مفروما من جهة أخرى، وكلما كان اللحم جيدا سيكون اللحم المفروم أيضا جيدا، أما الإبداع فشيء آخر تماما... ستظل لوحة سماء مرصعة بالنجوم لفان جوخ تقدر بالملايين، بينما تباع نسخها المقلدة بجنيهات على الأرصفة. الذكاء الصناعي استطاع أن يعوضنا عن عُمَّال نمطيين يؤدون حركات ثابتة طول اليوم في المصانع، وهذا تطور جيد. ولو استطاع الذكاء الصناعي أن يعوضنا عن كتابة بعض الأدباء، فهذا يعني أننا لسنا بحاجة إلى هؤلاء الأدباء من الأساس.
تعليقات
إرسال تعليق