الازدواجية...

لماذا يقترن الحب بالوجع؟
على عكس ما تعلمناه من الأفلام الرومانسية والأغاني والقصائد والروايات، فإن الحب لا يقترن بالمعاناة، لأن الحب هو نافذة على الجانب المضيء من الإنسان، حيث المعرفة والوعي واليقين. والمعاناة تأتي حين يغيب اليقين والوعي والمعرفة وحين يظل الإنسان عالقاً في الجانب المظلم من نفسه. حتى الحب من طرف واحد لا يجب أن يكون مصدراً لمعاناة الإنسان أو تعاسته، لأن الحب بذاته هو منجم ذهب داخل من يحب بمعزل عن الحبيب. الحبيب يقدم لك الشعلة الأولى التي توقد بها الطريق إلى منجمك وتطهر بها ذهبك. تبدأ المعاناة مع الطلب والتوقعات. لأن كل توقع هو قنبلة خيبة أمل موقوتة. من يحب بصدق لا يريد سوى سلامة وسعادة حبيبه حتى لو كانت هذه السعادة مع شخص آخر. من يتساءل لماذا لا يحبني الطرف الآخر يلقي على نفسه وعلى الطرف الآخر عبء غريب عن الحب. هنا تبدأ النار في التسرب لأصابعك لتحرقها بدلاً من أن تضيء طريقك وتطهر ذهبك. وبعدها تنطفئ النار، لأن الشكوى والتذمر يسحبان الأوكسجين من القلب. تنطفأ النار وتبقى الأصابع المحروقة متوجسة من الحب، والحب برئ من مصيرها.
حتى في العلاقة بين طرفين، يخلط العشاق كثيراً بين الحب وبين ما يتوقعوه من الحب. فأنت دائماً عبد لما تطلب. ولكن حين يكون الحب فقط هو كل ما تريده فلن يكون لشيء آخر سُلطة إتعاسك أو تخييب أملك، لأن حبك بداخلك لا يحيد عنك إلا إذا حدت عنه.
من يدخل للحب من بوابة الإيجو يصبح مثل المدمن الذي يتناول المخدرات كي تخفف آلامه وتجلب عليه الفرح. من يتعامل مع حبيبه مثل تعامله مع المخدر يدفع ثمن كل فرحة عاشها معه معاناة في المقابل، لأن الإيجو يطلب ولا يشبع، يستهلك حتى يدمن، ولكنه سرعان ما يتعود. وهنا يظل الفرح مرهوناً بالحزن، وتظل النشوة مرهونة بالوجع. يظل الغموض والخوف يسيطران على مثل هذه العلاقات فتكون مثل هضبة خضراء تتراقص فوقها الغزلان بينما يخمد في جوفها بركان ينتظر الانفجار. ولو قرر أحد الحبيبين الانفصال عن حبيبه، يتحول الحب المزعوم فجأة إلى وجع يشبه وجع انسحاب المخدر من الجسم. ويتحول الوجع إلى نقمة يصبها صاحب الإيجو على حبيبه السابق في شكل غضب أو لوم أو عنف أو أي شكل من أشكال الابتزاز العاطفي، تماماً مثلما يفعل أي مدمن حين يمنع أحد عنه المخدر. ولو لم يجد أحداً يصب عليه نقمته، يصبها على نفسه في شكل اكتئاب أو عقدة نقص أو إدمان مخدر جديد كعوض عن الحبيب الغائب. 
ومع ذلك فهناك فرق بين المعاناة والألم. وكما قال هاروكي موراكامي: الألم حتمي، والمعاناة اختيارية. أي أن الألم جزء مصيري في حياة كل إنسان وفي طريق معرفته لذاته، أما المعاناة فهي ناتجة عن قرارات خاطئة أو نظرة خاطئة للحياة وللذات. الحب يعرف نوعين من الألم. فالحب ليس فقط نافذة على الجانب المضيء من الإنسان بل نافذة على كل دواخله، وهو يجعل النور يتدفق إلى أماكن مظلمة داخل الإنسان، بها الكثير من الآلام المنسية. هذا هو النوع الأول: أن يرى الإنسان ما كان يجهله أو يتجاهله في نفسه. وعملية التصالح مع هذه الثغرات والكذبات عملية مؤلمة تحتاج شجاعة وصدق. ولكن الحب يسرع وتيرتها، لأن الحب والكذب لا يجتمعان في مكان واحد.
النوع الثاني من الألم هو ألم غياب الحبيب. فعلى قدر اللذة والطيران التي يشعر بهما الحبيبان حين يلتقيان، يكون قدر ألم الغياب. البعض لا يستطيع التعامل مع هذا الألم ويحاول الاستعاضة عنه بالمعاناة، فيشعر أحدهم بالغيرة والخوف من فقدان الحبيب بسبب المسافات أو الظروف التي تحول دون اللقاء. البعض يلقي باللوم على الحبيب لأنه بعيد. وهذا مؤشر على أن الحب غير صافي بشكل كافي. فمن يحب لا يلقي بوجعه على من يحب ولا يريده أن يشعر بالذنب، لأن ألم الحب كرة من نار يتجاذبها الأحبة بدلاً من يتقاذفوها. يحاول كلٌ منهم أن يحتفظ بألم النار لنفسه كي يحمي حبيبه منها. وكرة النار هذه تطهر من يحتفظ بها وتحرق من يقذفها ليعذب بها حبيبه. هذه طبيعة الحب.
من يقول للحب مرحباً يقول للمعاناة وداعاً، لكنه يقول لألم الحب أهلاً وسهلاً لأنه ألم كاشف مطهِّر. ومن تَطَهَّر ذهبه بصورة كافية، لن يحتاج النار بعد ذلك!

D j

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة