الحنين
كثيرون منا يظلون محبوسين في تجربة جميلة أو قاسية مروا بها وشكلت وجدانهم وعلاقتهم بالحياة، وكأنهم يفصّلون من تجاربهم بدلة على مقاسهم يرتدونها في كل المناسبات. وحتى حين تضيق علينا هذه البدلة نحاول تظبيطها من جديد حتى تناسب زيادة وزننا أو نقصه. نحن نبحث عن المعنى دائماً في قصة حدثت لنا أو لغيرنا في الماضي، فنجعل مما مضى معياراً لكل ما هو أت. ونحن بارعون جداً في إعادة تفصيل القصة على مقاس ما نشعر به أو ما نريده اليوم، فننتقي بعض التفاصيل وننحي بعضها حسب المعنى الذي نبحث عنه. أحياناً نشعر بالشك فنصدق الأساطير وكأنها حدثت، ونكذّب الحقائق وكأنها من وحي الخيال. أحياناً نشعر بالهوان والهزيمة فنبحث عن حجة لانهزامنا أو اعتذار عن هذا الانهزام في الذاكرة.
الحنين فخ جميل يسقط فيه المرء مختاراً مرة، ويفر إليه مدفوعاً بالألم أو الخذلان مرّات. هو هروبٌ من الفراغ إلى فقاعة حلم. هروبٌ إلى ماضٍ لم يمضِ ولم يأت أبداً. هروبٌ إلى ماضٍ لم يكن، نكاية في حاضرٍ غير حاضر. وكلما زاد بؤس الحاضر ازداد الحنين انتقائية، وراح يعيد كتابة الماضي على هواه، فيصوره بمثالية عالية كأنه حدث أسطوري من خارج الزمن. فتصبح حبيبة الماضي أجمل ويصبح كل ما عاشه المرء معها سحراً، ويصبح الوطن الذي فر منه المرء ساخطاً أكثر جمالا وكل من فيه طيبون، ويصبح تاريخ الأمم المنكوبة أعظم وكل فصوله مشرقة. ولكن أي جمال هذا الذي يظل مرهوناً بعثرات الواقع وقبحه؟ أي جمال هذا الذي ينتج عن الهروب من الحاضر؟
نحن أحلام آبائنا وأمهاتنا التي تنتظر فرصة لتتحقق... الآن. نحن رغبة الكون في أن يكون... الآن. هروبنا للماضي بحلوه ومُرِّه وحقائقه وأساطيره هو خذلان للحياة وخذلان لأنفسنا، لأن هذا الهروب يحول بيننا وبين أن نتحقق ونكون، ويجعلنا مجرد تكرار لإخفاقات أو مخاوف آبائنا وأمهاتنا.
إن من لديه الحب لا يحتاج إلى ذكرى، لأن كل ما عاشه مع حبيبه يصير جزءً منه ومن معرفته حتى لو ذهب الحبيب. ومن لديه المعرفة لا يتسول هواءً صناعياً لرئتيه. من يعرف سر اللحظة، لن يغادرها إلى حلمٍ مضى أو أملٍ مؤجل. من لديه الشجاعة سيفتح يديه ويترك الماضي يمضي، وسيواجه الآن بوعي وصدق.
الحنين لعبة الشعراء ولعنتهم، لأنهم بارعون في تمجيد الغياب وإعطاء النقصان هوية، ولأن الحنين مزرعة تفريخ القصائد وإعادة تدوير نفايات الذكريات. ولكن محمود درويش الذي كتب "أحن إلى خبز أمي"، كتب بعدها الحنين انتقائي يقتطف الذكريات المزهرة كالبستاني في الحديقة..
تعليقات
إرسال تعليق