احكام مسبقة..

 كثيرون لديهم ميكانيكية دفاع يتم تفعيلها فوراً حين يتحدث أحد عن الحب. لا يطيق هؤلاء أن يذكر أحد الحب كحقيقة جميلة ونقية تغير حياة الكثيرين من البشر، ويحاولوا نفي وجوده بشراسة، وكأن وجود الحب هو إدانة شخصية لهم. وهؤلاء ينقسمون في الغالب إلى قسمين. فريق مر بعلاقة أو علاقات عاطفية فاشلة ومؤلمة وراح يُسقط هذه العلاقات وهذا الألم على الحب نفسه فيقولون إن الحب وجع راس ووجع قلب و "ما شفتش منه غير بهدلة"، والبعض الآخر لم يمر أبداً بتجربة الحب رغم أنه انتظرها طويلاً، ويفضّل أن يقول إن الحب وهم أو مجرد خيال شعراء وكلام أغاني حتى لا يعترف أن العيب فيه هو أو أن الوقت لم يأت بعد. 

العائق الأكبر في طريقنا إلى الحب هو عدم قدرتنا على التواضع في حضوره والتسليم بسلطانه وعدم القدرة على التحرر من تجاربنا وجروحنا السابقة، فحين تظهر لنا بوادر هذا الحب نبدأ إما بالتشريح والتحليل أو بالخوف، أو بمحاولة تغيير مسار الحب إلى حيث نريد وكأننا نلعب الشطرنج، لأننا مازلنا أسرى تجاربنا السابقة وما زلنا نعتبر هذه الخبرات معيار كل شيء، وهكذا تصبح التجربة الجديدة مجرد شاشة عرض لمخاوفنا وتصوراتنا القديمة، فنخاف من الهجران أو الخيانة أو الاستغلال. 

أنا أفهم هؤلاء الناس جيداً، فمعظم البشر لا يملكون إلا تجاربهم وخبراتهم السابقة، وهم يحتاجون لأسوار وحرّاس لحمايتهم من جرح جديد. وأفهم أيضاً من أمضوا عمرهم كله ينتظرون أن يطرق الحب بابهم ولكنه لم يمر، وكأنهم ثمرة نضجت على غصنها وسقطت وتمرغت بالتراب دون أن يذُق حلاوتها أحد ودون أن تدرك الغاية من وجودها من الأساس. ولكي يؤمن الإنسان بالحب فلابد أن يعرفه ويختبره وينضج من خلاله. وحين ينفي هؤلاء وجود الحب هم فقط يحاولون أن يلملموا أشلاء ذواتهم المبعثرة والمطمورة ويحاولون حفظ ماء وجوههم أمام الحياة وأمام أنفسهم. 

ولكن هذه الأسوار وهؤلاء الحراس وهذا الرفض هم في حد ذاتهم أكبر عائق في طريق الوصول إلى حب حقيقي يدوم. وهم إذ يبنون أسواراً بينهم وبين الوجع فهم أيضاً يسكنون سجناً يحول بينهم وبين الحياة، كمن يبني بيتاً لكنه يخاف من اللصوص، فيقرر أن يصير بيته بلا أبواب ولا نوافذ. هكذا لا يدخل اللصوص للبيت، ربما، ولكن هكذا أيضاً لا يدخل النور ولا الهواء أيضاً. وهكذا يبرمج هؤلاء علاقاتهم القادمة على الفشل أيضاً حين يدخلوها بشكوكهم وظنونهم ومخاوفهم وعدم ثقتهم بأنفسهم الناتجة عن علاقات سابقة، فأي حماية هذه؟  

وأنا رغم أني لا ألوم عليهم نظرتهم للحب، لكني ألوم عليهم تعميمهم لتجربتهم وتسفيه فكرة الحب في حد ذاتها واتهامهم لمن زرعوا بذور الحب وسقوها وجلسوا في ظل شجرة الحب وأكلوا من ثمارها بأنهم ساذجون أو حالمون أو حتى كاذبون. هم يقطعون الجسر بينهم وبين تجارب جديدة حين يظنون أن تجاربهم السابقة هي كل الحياة، ويقطعون على أنفسهم أخر طريق للأمل حين لا يفرحون لفرح العاشقين وحين يرون أنهم حتماً سيفشلون مثلهم. 

الحب موجود في كل مكان، هو مرآة ذواتنا، لكن لا يراه إلا من درّب عينه على رؤية الجمال ومن مسح الغبار عن مرآته. الحب بذرة تصطفي الأرض الجاهزة للحب والنفوس التواقة له. بالشجاعة والصدق والوعي والتحرر من تجارب الماضي يحرث الإنسان أرضه، فالحب طيب لا يقبل إلا طيب، وعلى من يريد أن يتذوق حلاوة الحب أن يغسل فمه من مرارة الماضي ويثق بالحب ثقة عمياء. ولعل من أجمل ما قيل في التسليم للحب هو ما كتبه محمد درويش: يا حب لا هدفٌ لنا إلا الهزيمة في حروبك/ فانتصر أنت انتصر/ واسمع مديحك من ضحاياك/ انتصر.. سلمت يداك/ وعُد إلينا خاسرين وسالما!

Dj

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الازدواجية...